محمد ابو زهره

506

خاتم النبيين ( ص )

أول القتال 345 - أخرج المشركون من قريش المؤمنين من مكة المكرمة ، وجردوهم من أموالهم ، وفتنوهم في دينهم ، فكان لابد من أن يضايقوهم كما ضايقوا المؤمنين ويردوهم عن غيهم ، ويعلموهم أن الباطل لا بقاء له ، بل إن للحق قوة ، وأنه أبلج ، ابتدأ النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بإرسال السرايا ، وهي طوائف صغيرة من الجيش على رأسها قائد من القواد ، فهي تشبه كتيبة يرسلها القائد الأكبر ، لتحارب ، أو لتمنع الطريق عن قوم من الأعداء ، أو كسرية الجيوش في هذه الأيام ، وقد فهم بعض الكتاب من ذلك أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ابتدأ بالسرايا تصادر عير قريش ، أو طائفة من تجار المشركين ، وأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ابتدأ بالحصار الاقتصادي ، ونحن نفهم من الحصار الاقتصادي الحصار الذي يفرض على موارد الجماعة كلها من رزق ، أي أن الحصار يفرض على قريش كلها . ونحسب أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ما كان يريد أن تصاب قريش كلها بمجاعة ، فما كانت قريش كلها على طريقة أبى جهل وأبي سفيان ومن على شاكلتهما من الذين ناوؤا الدعوة ابتداء ، واستمروا على غيهم إلى أن كان الفتح المبين ، وكان منهم الساكتون الذين لم يعادوا ، ولم يناوئوا ، وإن لم يؤمنوا ، وليس من شأن المباديء الإسلامية أن يؤخذ المطيع بظلم العاصي أو المعتزل بظلم الذي يرتكب الشر ، وفي قريش من كان مكرها غير مختار ومظلوما مأسورا . ومنهم من كان يربطه بالمؤمنين مودة وصلة ، بل بالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . والحصار الاقتصادي يعم ولا يخص ؛ إذ يعم من بلغوا أقصى غايات الشر ، ومن سكتوا ، ومن توادوا وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( فاطر - 18 ) . ولكن هذه السرايا كانت لمناهضة زعماء قريش ، إذ كانوا أصحاب المتاجر التي تحملها العير وقتا لآخر ، ولأن أولئك الزعماء أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم ، فكان حقا على هؤلاء أن يضايقوا الذين أخرجوهم من أموالهم معاملة بالمثل ، وليأخذوا مقابلا لبعض ما أخذ منهم ، وليذيقوا أولئك الزعماء وبال ما صنعوا .